علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
11
الصداقة والصديق
2 - لمحة عن حياة أبي حيّان التّوحيدي : من المتعذر على المؤرّخ إيجاد سيرة متسلسلة الحلقات للتوحيدي ، فإنّ أخباره المبعثرة هنا وهناك لم تفدنا شيئا عن أصله ونشأته ومكان ولادته ، وهذا ما جعل الأخبار عنه قليلة ومتضاربة ، وما عرف منها لم يسلم من التحريف والوضع وذلك أن أبا حيّان التّوحيدي لم يكن على وفاق مع أهل عصره مما جعله يقضي شطرا كبيرا من حياته مستترا ، خشية الأذى وبطش السلطان ، على أنّ ما تجمع لدينا من معلومات يجعلنا نعتقد أنه ولد سنة 310 ه من أبوين فقيرين ، وأنه قضى قسما كبيرا من حياته في بغداد حيث أتيح له أن يتلقى العلم على أعاظم علماء عصره ، فكان لهم أثر في توجيهه وتكوينه أدبيا وعقليا وروحيا ، وكان أبرز هؤلاء الأساتيذ : أبو سعيد السيرافي ( 248 - 367 ه ) وهو عالم فذّ شارك في علوم عصره وأنواع المعرفة الشائعة فيه مشاركة واسعة ، فدرس عليه تلميذه التوحيدي علوم القرآن والفقه والفرائض والحساب والكلام والبلاغة والشعر والعروض والقوافي ، كما اطلع تلميذه في سن مبكرة على أسرار التصوف ، حتى صار التوحيدي فيما بعد شيخا في الصوفية ، وكان التوحيدي كثير الملازمة لأستاذه ، شديد الإعجاب به ، والخضوع لإرشاده ، فهو في نظره « عالم العالم ، وشيخ الدنيا ، ومقنع أهل الأرض » ، ودرس التوحيدي علم الكلام والمنطق والعربية على عليّ بن عيسى الرّمّاني ( 296 - 384 ه ) وهو أحد أئمة اللغة والأدب « لم ير قط مثله عالما بالنحو ، وغزارة في الكلام ، وبصرا بالمقالات ، وإيضاحا للمشكل مع تألّه وتنزّه ودين وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة » ، وكان الرّمّاني ميّالا إلى النحو والمنطق ، وحاول أن يتفرّد في هذين العلمين بمذهب خاص به فوقع في الغموض والتعمية ، ودرس التوحيدي الفقه الشافعي على أساتيذ ثلاثة هم : القاضي أبو حامد